جلال الدين السيوطي
476
الإتقان في علوم القرآن
وأجاب الجمهور عن آية المشيئة : بأنه تعليم للعباد كيف يتكلمون إذا أخبروا عن المستقبل ، أو : بأن أصل ذلك الشرط ، ثم صار يذكر للتبرّك ، أو أن المعنى : لتدخلن جميعا إن شاء اللّه ألّا يموت منكم أحد قبل الدخول . وعن سائر الآيات بأنه شرط جيء به للتهييج والإلهاب ، كما تقول لابنك : إن كنت ابني فأطعني . السادس : أن تكون بمعنى قد ، ذكره قطرب ، وخرّج عليه : فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى ( 9 ) [ الأعلى : 9 ] . أي قد نفعت ، ولا يصح معنى الشرط فيه ، لأنه مأمور بالتذكير على كل حال . وقال غيره : هي للشرط ، ومعناه : ذمّهم واستبعاد لنفع التذكير فيهم . وقيل التقدير : وإن لم تنفع ، على حدّ قوله : سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [ النحل : 81 ] . فائدة : قال بعضهم : وقع في القرآن ( إن ) بصيغة الشرط ، وهو غير مراد ، في ستة مواضع : وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً [ النور : 33 ] . وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [ النحل : 114 ] . وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ [ البقرة : 283 ] . إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ [ الطلاق : 4 ] . أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ [ النساء : 101 ] . وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً [ البقرة : 228 ] . أن « 1 » : بالفتح والتخفيف على أوجه : الأول : أن تكون حرفا مصدريا ناصبا للمضارع ، ويقع في موضعين : في الابتداء : فيكون في محلّ رفع ، نحو : وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ [ البقرة : 184 ] ، وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [ البقرة : 237 ] . وبعد لفظ دالّ على معنى اليقين : فيكون في محل رفع ، نحو : أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ [ الحديد : 16 ] ، وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً [ البقرة : 216 ] . ونصب ، نحو : نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ [ المائدة : 52 ] ، وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى [ يونس : 37 ] ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها [ الكهف : 79 ] . وخفض ، نحو : أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا [ الأعراف : 129 ] . مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ [ المنافقون : 10 ] . و ( أن ) هذه موصول حرفيّ ، وتوصل بالفعل المتصرّف ، مضارعا كما مرّ ، وماضيا نحو : لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا [ القصص : 82 ] ، وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ [ الإسراء : 74 ] . وقد يرفع المضارع بعدها إهمالا لها ، حملا على ( ما ) أختها ، كقراءة ابن محيصن : ( لمن أراد أن يتمّ الرضاعة ) [ البقرة : 233 ] .
--> ( 1 ) انظر رصف المباني ص 193 - 198 ، والبرهان 4 / 223 - 228 .